ابن أبي أصيبعة

27

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وممن درسوا فترة بمدرسة الإسكندرية ويعد من أبرز علماء كل العصور في الطب جالينوس ( 130 - 200 م ) اليوناني الذي ولد في برجاموس سنة 130 م وعمل جراحا لمدرسة المصارعين بعد أن انتهى من دراساته في بلاد اليونان وآسيا الصغرى والإسكندرية وهو يعد من أنجب تلاميذ مدرسة الإسكندرية . وذهب إلى روما وأقام بها حيث اختاره مرقص أوريليوس طبيبا لبلاطه وكان يهتم اهتماما بالغا بعلم التشريح ودراسة وظائف الأعضاء . وله كلام في تشريح القلب والدماغ مزج فيه العلم بالخيال . وإن ظلت مؤلفاته في التشريح من أكبر المراجع الأساسية لعلم التشريح حتى ظهور فيساليوس في القرن السادس عشر الميلادي .

--> - قد سمى أيضا مؤسس علم التشريح المقارن وعلم التشريح المرضى ( ولكن مثل هذه الألقاب يجب تناولها بحذر ) . والتشريح المقارن كان طبيعيا لأن الأطباء القدامى كانوا مضطرين لتشريح الحيوان ، كما كانوا في حاجة إلى تشريح الإنسان . وأما لقب مشرح مرضى فقد أطلق على إرازيستراتوس ، لأنه أجرى تشريحات بعد الموت ، أي أنه شرح جثث أشخاص بعد موتهم وكان تاريخهم الطبى معروفا ، ولذلك استطاع أن يعرف الإصابات التي كانت سببا في وفاتهم . وفي الفسيولوجيا كان إرازيستراتوس أول من اعتمد على النظرية الذرية ، وعلى نظريات المدرسة الدجماتية ، وعلى مبدأ « الطبيعة تكره الفراغ » . ولقد أخذ إرازيستراتوس كثيرا من هذه الأفكار عن « براكساجوراس » الذي كان معلم هيروفيلوس وإنما عنى هو بها أكثر مما فعل هيروفيلوس نفسه . ولقد حاول إرازيستراتوس أن يفسر كل شئ بأسباب طبيعية رافضا أن ينسب شيئا إلى أسباب عقائدية . وتتعلق الكشوف التشريحية الرئيسية لارازيسراتوس بالدماغ والقلب والجهازين العصبى والوعائى ، ولولا اقتناعه بأن الشرايين مملوءة بالهواء ( روح الحياة ) ولولا نظرياته الهوائية على العموم لجاز له أن يكشف الدورة الدموية ، فهو مثلا اهتدى إلى أن شرايين الحيوان الحي تصدر دما عندما تقطع وحذر أن التشعبات النهائية للأوردة والشرايين يتصل بعضها ببعض . ولقد شاهد وجود الأوعية اللمفية في المساريقا . واهتدى إلى أن كل عضو يتصل بسائر أجزاء الكائن بواسطة جهاز ثلاثي من الأوعية - شريان ووريد وعصب - ولقد أصاب في وصفه لوظيفة لسان المزمار ( ونحن ما نزال في اللغات الأوربية نستعمل المصطلح اليوناني الأصلي ) وفي وصف وظيفة الصمامين الأذينيين البطينيين ( ولقد سمى الأيمن منهما ذا الثلاث الشرافات ) وقد عرف الأعصاب الحركية والحسية وفرق بدقة أكثر بين المخ والمخيخ وشاهد لفائف المخ ولاحظ أنها أكثر تعقيدا لدى الإنسان منها لدى الحيوان ، وتتبع الأعصاب الدماغية حتى الدماغ نفسه ، وقام بإجراء تجارب على الأحياء للتحقق من الوظائف الخاصة ولأجزاء الدماغ المختلفة ، وفحص أيضا علاقة العضلات بالحركة . ويقول جورج سارتون ص 249 : وكان إرازيستراتوس أول طبيب ينبذ بالكلية نظرية الرطوبات ، وكذلك كان أول من فرق بوضوح بين التدبير الصحي وبين المداواة ، وكان يعلق أهمية أعظم على التدبير الصحي . ولهذا كان إلحاحه في مراعاة التغذية والرياضة الصحيحة والاستحمام . وكان إرازيستراتوس يعارض العلاجات العنيفة والإفراط في استعمال العقاقير والإسراف في فصد الدم وهو في هذا مجرد تابع لكثير من آراء أبقراط . ويقول الدكتور بول غاليونجى عن إرازيستراتوس ( 310 - 250 ق . م ) في كتابه عن ابن النفيس ص 36 إنه من تلاميذ مدرسة قيندس المنافسة لمدرسة قو . وهو أول من أنكر نظرية الأخلاط السائدة وأولى الأنسجة والأوعية المحل الأول في دراسة الأمراض . وهو أول من قال إن الهواء يدخل عن طريق الرئة إلى القلب حيث يكون روحا تنقلها الشرايين إلى سائر أجزاء الجسم وأن الروح الحيوي يتحول في الجسم إلى روح حيواني تحمله الأعصاب إلى الأعضاء ، وهما الركنان اللذان أسس عليهما جالينوس نظريته في حركة الدم وفي وظيفة الجسم عموما وشيد عليها بناء ظل جامدا لم يجرؤ أحد على مسه حتى القرون الوسطى . وقد كاد إرازيستراتوس أن يكشف عن الدورة الدموية كما نراها عن طريق أوعية موصلة دقيقة للغاية .